عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

104

اللباب في علوم الكتاب

وقال الحسن وقتادة : تعود على « الكتاب » أي : يبينون للناس ما في التوراة والإنجيل من الدلالة على صدق نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم « 1 » . فإن قيل : البيان يضادّ الكتمان ، فلما أمر بالبيان كان الأمر به نهيا عن الكتمان فما الفائدة في ذكر النّهي عن الكتمان ؟ . فالجواب : أن المراد من البيان ذكر الآيات الدالة على نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من التوراة والإنجيل والمراد من النهي عن الكتمان أن لا يلقوا فيها التأويلات الفاسدة ، والشبهات المعطلة . قال قتادة : هذا ميثاق أخذه اللّه على أهل العلم ، فمن علم شيئا فليعلّمه ، وإياكم وكتمان العلم ، فإنه هلكة . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار » . قوله : فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ طرحوه ، وضيّعوه ، ولم يراعوه ، ولم يلتفتوا إليه . والنبذ وراء الظهر مثل للطّرح ، ونقيضه : جعله نصب عينيه . وقوله : وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا معناه : أنهم أخفوا الحقّ ؛ ليتوسلوا بذلك إلى وجدان شيء من الدنيا ، ثم قال : فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ . قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 188 ] لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 188 ) هذا أيضا من جملة أذاهم ؛ لأنهم يفرحون بما أتوا به من أنواع الخبث والتلبيس على ضعفة المسلمين ويحبّون أن يحمدوا بأنّهم أهل البرّ والصدقة والتقوى ، ولا شك أن الإنسان يتأذّى بمشاهدة مثل هذه الأحوال ، فأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالمصابرة عليها . قوله : لا تَحْسَبَنَّ قرأ ابن كثير وأبو عمر « يحسبنّ » و « فلا يحسبنّهم » - بالياء فيهما ، ورفع باء « تحسبنّهم » « 2 » وقرأ « 3 » الكوفيون بتاء الخطاب ، وفتح الباء فيهما معا ، ونافع وابن عامر بياء الغيبة في الأول ، وتاء الخطاب في الثاني ، وفتح الباء فيهما معا ، وقرىء شاذا بتاء الخطاب وضمّ الباء فيهما معا « 4 » ، وقرىء فيه أيضا بياء الغيبة فيهما ، وفتح الباء فيهما أيضا فهذه خمس قراءات ، فأما قراءة ابن كثير وأبي عمرو ففيها خمسة

--> ( 1 ) ينظر المصدر السابق . ( 2 ) انظر : السبعة 219 ، 220 ، والحجة 3 / 101 ، وحجة القراءات 186 ، والعنوان 82 ، وإعراب القراءات 1 / 125 ، وشرح شعلة 329 ، 330 ، وشرح الطيبة 4 / 176 - 177 ، 185 ، وإتحاف 1 / 497 . ( 3 ) انظر البحر المحيط 3 / 144 ، والدر المصون 2 / 279 . ( 4 ) انظر : الدر المصون 2 / 279 .